آخِرُ الواقفين في مَهبِّ الفناء..
أقفُ في قلبِ معركةٍ ضارية، يضجُّ هواؤها بوهج السيوف وصليل الحديد، سيفي في يدي، وجسدي مُضرَّجٌ بدماءِ القتال، حتى كأنني قطعةٌ من ساحة الحرب نفسها..
لحظةً… كأن الزمن قد تجمَّد
أنظر يمينًا وشمالًا، فأرى الأرواح التي قاتلت معي تفارق أجسادها واحدًا تلو الآخر، وجوهٌ كانت منذ لحظات تنبض بالحياة، فإذا بها الآن تسكنها سكينة الموت..
أندفع نحوهم بكل ما تبقى فيَّ من قوة، أحاول أن أصدَّ عنهم الرماح، وأن أكون بينهم وبين الفناء سدًّا من لحمٍ وعزم ، تنهال عليَّ السهام سهمًا بعد سهم، لكن الأرواح تمضي… تمضي في صمتٍ لا يرده شيء..
أتابع القتال بما بقي في صدري من نفس، حتى أجد نفسي وحيدًا أمام جيشٍ عرمرم.
تتوالى الطعنات، وتغور السهام في جسدي، والدماء تسيل مني كأنها ثمنُ البقاء في هذه الأرض.
أسقط أخيرًا
أتكئ على سيفي كيلا يخذلني الوقوف، وأقبض بيدي الأخرى على رمح الحروب؛ وهناك، بين وجع الجسد وضجيج الصمت، أقع أسيرًا لفكرةٍ واحدة:
أأستسلم… وقد أُزهقت كلُّ الأرواح من حولي؟
لكن الجواب لم يأتِ من الخارج…
بل انبثق من أعماقي كالصاعقة:
قُم
ولا تستسلم
قُم… فنحن لم نُخلَق لنعتاد الاستسلام
أستجمع ما تبقى من قوتي، وأنهض
أقف وحدي في قلب المعركة… لكنني لم أعد أشعر بالوحدة
أضرب هذا، وأصرع ذاك، وجراحي تتفتح في جسدي كأنها أبواب ألمٍ لا تُغلق، غير أن العزم في صدري كان أشدَّ من كل جراح
تمضي المعركة… حتى تضع أوزارها
تنتصر روحي، غير أن جسدي يكاد ينهار من فرط ما احتمل
أمضي مترنحًا بين خطاي… حتى أسقط في صحراء قاحلة، وقد أضناني العطش..
هناك، بين الرمل والسماء، يحدث ما لم أتوقعه…
تنهمر عليَّ قطرات الماء من السماء، كأن الحياة نفسها قد قررت أن تعود إليَّ..
أفتح عيني من جديد
وحين نظرت حولي…
كانت الصحراء قد تلوَّنت بدمائي..



من أجمل ماقرأت. من الملحمة والإدراك ورغبة الاستسلام إلى النهوض والاستمرار، وهطول المطر.