"أبجَديةُ الرمل "
في الأفقِ البعيد،
حيثُ لا ظلَّ إلا لخيالٍ يتلوّى على الرملِ،
تنبثقُ من صمتِ السرابِ فارسةٌ
كأنها طيفُ أسطورةٍ نُسيَت في الكتبِ القديمةْ.
تمتطي صهيلَ الريحِ
وتمضي على صهوةِ الحلمِ،
وفي يدِها سيوفُ الضوءِ والرمادْ،
تستنطقُ الجمرَ حين يصمتُ،
وتنثرُ في دربِها أسئلةً
لا يجيبُ عنها سوى الغيمِ الهاربْ.
عيناها...؟
سؤالان مسنونانِ كحدّ الشوق،
كأنَّ بين رموشها ليلًا عربيًا طويلًا
ووشمًا نُقش بأسماءِ من رحلوا
ولم يُودّعوا الرمالَ إلا ببصمةِ نَفَسْ.
حاجباها...؟
قوسان من سطورٍ ضائعةٍ،
فيهما كتبُ الغزاةِ،
وهمسُ العاشقين،
وبكاءُ العرّافينَ حين يخطئون النبوءة.
بين خصلاتِ شعرها
تنامُ بساتينُ من الخزامى والمسكِ والعنبر،
تتلو تعاويذَ الفجرِ على الرمال،
وتُخفي أسماءً من ناداها...
ثم اختفى في ضبابِ العطش الأبديّ.
تمشي...
ويصمتُ الرملُ احترامًا،
النجومُ تنطفئ كي لا تفضحَ مسراها،
والهلالُ يكتفي برسمِ ظلّها في السماء
كأنها ملاكٌ... أو لعنةٌ جميلةْ.
تسمعُ نداءَ مناجٍ من بعيد،
رجلٌ طواه الظمأُ تحت شجرةٍ ميتة،
فتسقيه من كفِّها ماءً
ليس كماءِ الأرض...
بل من بئرٍ لا يعرفهُ سواها.
تبتسمُ...
فيبتدئُ المطرُ على أطرافِ الصحراءِ،
ويُنبتُ الصخرُ وردًا...
وتتنفّس الرمالُ من جديد.
هي الرقراقةُ حين تريد،
والعبقرةُ إن غضبت،
والخودُ إن صمتتْ تحت قمرٍ غريب،
هي من تُكتبُ ولا تُروى،
ويخافُ منها الشعراءُ إن اقتربوا من نارِها.


