"طفل الحلوى وحارات دمشق القديمة"
: مُقدمة
في ليلة شتوية ماطرة، وبين أزقة دمشق العتيقة ومقاهيها التي تفوح برائحة القهوة والياسمين، ولدت حكاية غير متوقعة.. حكاية طفل يبيع الحلوى، ورجل غريب قادته الصدفة ليمنح الدفء لقلب صغير أنهكه الجوع والبرد. من هناك بدأت رحلة إنسانية لن تُنسى، حُفرت تفاصيلها في ذاكرة الشام القديمة
طفل الحلوى .. ٢٩ من كانون الثاني في أحدى ليالي الشتاء الباردة بأحدى الحارات الدمشقية القديمة ، وانا أسير نحو أحد أقدم المقاهي في دمشق ،، مقهى النوفرة ،، لأطلب كوباً من القهوة الساخنة وأحتسيه ، تقدم النادل وبدأ ينظر إلي وهو يبتسم قائلاً :
ـ كأنك أول مرة بتزورنا هون ؟
فأجبته قائلاً وانا أبتسم لهُ رداً على حسن ضيافته :
ـ اي نعم ، انا اول مرة بزور هل مقهى الحلو
فأكمل حديثه وبدأ يرحب بي ويسألني ماذا أود أن أشرب
فقلت له :
ـ لو سمحت بدي كاسة قهوة
.وأذا في مجال ياريت توصله الي لبرا
كانت الأمطار تهطل بغزارةً شديدة وكان الجو قارص البرودة فتعجب مني ثم قال :
ـ بس يا أستاذ الجو برا برد كثير ، ومثل مو شايف المطر بكل مكان ، هو فيه مظلات بس يعني الجو برد يمكن تمرض بسبب الجو
كان النادل غايةً بالرقة والأحترام فرددت عليه واضعاً يدي على كتفه مطبطباً :
ـ ولا يهمك ، انا متعود على الجو البارد ، وبحب أشرب قهوتي
وانا عم أراقب قطرات المطر
: ضحك النادل وقال لي
ـ خلص الي بدك أياه .. تكرم عيونك أستاذ
ثم ذهب ليجلب القهوة لي
جلستُ على كرسياً خشبي قديماً بعض الشيء ، لكنه تحفةً من التحف الدمشقية ، بدأت اتأمل قطرات المطر وهي تهطل بغزارةً شديدة ، كانت الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل ، جلب النادل كوب القهوة واضعه أمامي ثم قال مع أبتسامته الودودة :
- هي قهوتك أستاذ .. صحتين وهنا
ثم ذهب إلى الداخل ليكمل عمله ،،
كانت السماء ممتلئةً بغيوماً محملةً بالأمطار التي تهطل على ياسمين الشام ونرجسها ، بدأت أحتسي القهوة وانا اقرأ بعض المجلات التي كانت على الطاولة ، لم تكن بتلك الأهمية فقط أنظر لها وأسترق النظر على صورها ، وأذ بي أرى طفلاً مبللاً ، فناديت عليه لكي أساله ماذا يفعل بهذا الوقت المتأخر من الليل تحت الأمطار الغزيرة .
أتى مسرعاً نحوي فسألته : يا عمو شو عم تسوي بهل وقت وحدك ! .. بعدين مو شايف كيف الجو مطر وبرد ؟
فنظر الي وهو يضحك ثم قال :
ـ لا ولله يا عمو مو بردان بس جوعان
نظرت له وعيناه تلمع بالبراءة والصدق ، نهضت وخلعت سترتي التي كنت أرتديها وقمت بوضعها على جسد الطفل مغطياً جسده الشبه عاري ، كان في الحادية عشرة من عمره طفلاً صغيراً مفغماً بالبراءة ، يداه ترتجف ، فأدخلته إلى المقهى وأجلسته بجانب المدفأة ، ثم نظرت له وانا ابتسم
قائلاً له :
ـ شو بتحب تاكل يا بطل ؟
نظر إلي وهو يضحك والخجل خيم على وجهه وأشبك أصابع يده مع بعضها البعض ، ثم قال لي بصوته البريء :
ـ بدي شاورما .. نظرت له ومسحت على رأسه قائلاً :
ـ تكرم عيونك يا بطل ، من عيوني وهلأ أحلى شاورما تخدم شواربك
ذهبت مسرعاً إلى أقرب مطعم وطلبت منه الشاورما وبعض الطلبات الأضافية ، وعدت إلى المقهى تحت أمطار السماء التي تهطل بغزارةً شديدة ، دخلت إلى المقهى وأتجهت نحو الطفل فجلست بجانبه ، وأخرجت كيساً به صندويشة شاورما وبجانبها بطاطا مقليه وبعض المخللات وعصيراً بالبرتقال ، وأعطيته له وبدأ يأكل بشراهة رغم طفولته ، جلستُ متكتفاً وأنا أنظر إلى ذالك الطفل الذي لم اعرف أسمه حتى ، فقلت له ممازحاً أياه :
ـ ما شاء الله البطل رح ياكلني كمان !؟ ..
ضحك الطفل وقال لي بكل براءة :
ـ ولله يا عمو جوعان كثير صرلي يومين مو اكل منيح .. صمت قليلاً .. ثم أقتربت منه وقبلت رأسه واضعاً بعض المال بجيبه
: وأخبرته قائلاً
كول كول يا بطل عم أمزح معك ، أذا ما شبعت برجع بجبلك أوعك تخجل ، أعتبرني أخوك الكبير ، اتفقنا ؟
:ثم رد بصوته الطفولي
حاضر عمو .. الله يرزقك يا عمو
ثم أنتظرته إلى أن ينتهي من تناول الطعام ، فطرحت عليه سؤالي : صحتين وهنا يا بطل .. أنت شو أسمك !
: فرد علي قائلاً
ـ على ئلبك عمو .. انا أسمي محمد ..
فدهشتُ من هذه الصدفة ثم قلت له :
- سبحان الله حتى انا أسمي محمد .. صرنا أثنين حلو
ثم ضحك ، فقلت له :
محمد ! .. أنت يا عمو شو عم تسوي بهل وقت برا البيت ؟
مو المفروض تكون بالبيت نايم ! .. نظر إلي بحزن .. وقص علي قصته .. والد الطفل سقط شهيداً ، كان أسيراً بسجناً يدعى ،، صيدنايا ،، ولا معيلاً لهم سوى هو ووالدته العاجزة وأخوته الصغار ، فنظرت له وعيناه تكادُ تدمع ثم ضممته وبدأت أواسيه ، فسألته أين يقع منزلهم ، أجابني وعلمت أين يقع منزلهم ، فأخبرته أن يذهب اليوم إلى المنزل وينال قسطاً من الراحة ، فأخذته معي إلى المطعم وأشتريت له ولأخوته ووالدته الطعام وأوصلته إلى منزله ، ثم عدت ولا أعرف إلى أين أذهب كما لو أن ذالك الطفل جعلني أتيه بحارات دمشق القديمة ليوصلني إلى أزقتها الضيقة ، فذهبت أتجول هنا وهناك إلى أن أشرقت الشمس فهرعتُ مسرعاً نحو أقرب دكاناً لبيع الطعام والمئونة ، دخلت عليه واللقيت التحية عليه
: قائلاً
السلام عليكم .. صباح الخير يا عم ..
: فرد علي
وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته .. صباح الخير أهلاً يا أبني
كان رجلاً مسناً بالستينيات من عمره ، فطلبت منه بكل أحترام أن يضع لي من كل صنفاً لديه عدداً يكفي لعائلة قائلاً :
ـ من بعد أذنك يا عم ، محتاج تحطلي من كل نوع عندك عدد كافي يعني بحيث يكفي عائلة مكونة من خمس أشخاص .. :فرد علي الرجل بكل دفء
تكرم عيونك يا أبني .. بس كأنك أنت غريب عن هل حارات ! أو يمكن ذاكرتي بدأت تضعف لا تواخذني .. أبتسمت بوجهه :ثم أجبته قائلاً
ـ لا ولله يا عم ما شاء الله عليك الله يطول بعمرك كلامك صح انا غريب عن هل حارات .. ثم أكمل حديثه وبدأ يرحب بي ويجهز طلبي ، وعندما أنتهى قمت بدفع الحساب ثم شكرته وذهبت ، كان الوقت مبكراً جداً فتوجهت نحو منزل الطفل محمد ، ووضعت كل ما اشتريته أمام منزله ووضعت بعض المال معه ، ثم طرقت الباب وأختبئت خلف الجدران ، وعندما خرج الطفل محمد أرتسمت الفرحة على وجهه وأدخل :الاغراض وبدأ يصرخ لأمه قائلاً
يا ماما .. في أكل كثير وفي مصاري على الباب .. ثم ذهبت إلى المنزل لأختم يومي بمساعدة محمد وعائلته ، أردت أن يكون محمد بمكاناً أفضل وأن يتخلى عن بيع الحلوى ويتجه نحو الدراسة كـ باقي الأطفال ، وبالفعل فعلت ذالك والحمدلله أنه دخل المدرسة ، طفلاً متفوقاً وذكياً ، أتمنى من الله ان يكتب
له مستقبلاً جميلاً كـ جمال الشام وياسمينها الفواح بالروائح الذكية


أسلوبك في سرد القصة بالطريقة السورية ساحر، يجعلك تغوص داخل الحكاية، كأنك تعيش كل لحظة وكل شعور فيها، وتتنفس أجواءها كما لو كنت جزءًا من أحداثها
شُكراً لكِ على هذه الكلمات اللبقة ، أعيشُ بها حقاً