في حضن الصحراء – تجلٍّ وجودي
وسط الصحراء القاحلة، حيث تصمت الأرض عن ضجيج العالم، أجلس متكئاً على جذع نخلة تشهد وحدتي، أنظر للسماء وقد انكشفت عن نقاءٍ يذكّرني بوجه الحقيقة حين تنزع أقنعتها
النجوم فوقي ليست مجرد زينةٍ سماوية، بل إشارات، رسائل من زمنٍ أزلي، تنبض بالسرّ، تتكلّم بلغة لا تُفهم إلا بالقلب. تأملتها، فإذا بالكون ينفرج داخلي، وإذا بي نقطة في بحرٍ لا أول له ولا آخر
أشعر أن الصحراء لم تلدني من الحروب فقط، بل من صمتٍ عميق، من تأملٍ وُجد قبل الكلمة، كأني لست كائناً من تراب، بل من رماد نجمٍ تاه عن مجرّته، وسكن هذا الفضاء البري
الليل في أوج سكينته، والقمر مكتمل كمرآة الروح، يهمس لي أن لا شيء يدوم سوى الصمت ،
النسيم البارد يعانقني لا كريحٍ، بل كذكرى بعيدة لوجودي الأول، كأنني كنتُ هناك، حين نُفخ في الروح، حين نُقشت الأقدار في لوحٍ محفوظ
الذئاب والضباع تعوي في البعيد، لكن لا رهبة تسري في عروقي، كأني أصبحت ظلًا يتأمل الحياة من خارجها. لا جسد لي ولا ثقل، فقط روحٌ تراقب المشهد بدهشة أول الخلق
الرمال ليست رمالاً، بل جلد أمٍّ عظيمة، تحتضنني، تُهدّئني، والسماء فوقي لا تغطيني فحسب، بل تناديني، تدعوني لأن أنسلخ عن المألوف، أن أرتفع
بين الجبال الصامتة، والفراغ المطلق، أراني كأني عابرٌ بين سطرين في كتابٍ لم يُكتب بعد
يزورني المطر كفكرةٍ، كدمعة من عين الغيب، ثم يختفي قبل أن أفهم معناه
نجمٌ في السماء يلمع بعنف، يشقّ الظلام، يفتح لي ثقباً أرى منه ما لا يُرى: زمناً آخر، عالماً لا يسكنه إلا الأرواح الطاهرة، وربما... أنا أحدها!
أُغمض عيني لا لأنام، بل لأنفصل. أسافر في النوم كما يسافر الصوفي في الذكر، لا أعلم كم مضى، أيّ عام، أي عمر.
وحين أستيقظ، ما زال الليل يحتضنني، لم يُولد الفجر بعد.
أأنا الذي كنت هناك؟ أم أنّ طيفاً من أطيافي عاد ليخبرني أني لست إلا فكرةً في عقل الوجود، تُكتَب وتُمحى،
ثم تُكتَب من جديد

