حين لا اسمَ لي... ولا لها
لم يكن ليلًا...ولا نهارًا
بل فراغٌ يتنفّسُ بينهما
في مَهبٍّ لا يزورُه الوقت كنتُ أمشي رأيتُها هناك،
واقفةً على كتفِ وادٍ لا نهايةَ له،
عيناها مغلقتان،لكنّني كنتُ أراها تحدّق في داخلي
قالت:
أنتَ تأخرتَ عن موتك..
فقلتُ:
وأنتِ أتيتِ قبل حُلمي..
ابتسمتْ…
وارتجفَ الرملُ تحتي
لم أعرف إن كانت جنّيةً، أم نسيجَ كابوسي الأخير،
لكن صوتها كان يوقظ ذنوبًا قديمة
ويسقيها من ماء القمر
مددتُ يدي، فانشقّت المسافةُ بيننا،
وصارتْ أبعد من وعيي، وأقرب من همسي لنفسي.
قالت:
كلّ من قبلكَ حاول…
لكنّهم لم يفهموا أنني لستُ امرأة، بل ممرّ،
طيفٌ يُجرّبُ الراحلون عبوره..
ومنذ تلك الليلة لم أعُد إنسيًا تمامًا
ولا هي كانت من الجنّ كما اعتقدت
صرنا كلمتين مكسورتين
في كتابٍ مفقود
يقرأه القمر كلّما بكى في العتمة..
وقفتُ..
وكانت الريحُ في ذلك الوادي أنياباً من ثلج
تنهشُ ما تبقى من يقيني
مددتُ قامتي، لا لأطولَ السماء
بل لأثبّتَ قدمي في رمالٍ ترفضُ أن تحملَ جسداً
قلتُ لها:
إن كنتِ ممرّاً، فأنا الجسرُ الذي لا ينحني
وإن كنتِ طيفاً، فأنا الحجرُ الذي لا يذوب
سأحبسُ أنفاسي كي لا يسرقني الغياب
وأقبضُ على جرحي، كمن يمسكُ جمرةً في ليلٍ قطبيّ
لم يكن كبرياءً..
بل كان خوفاً من أن أهوي في قعرِ عينيكِ
فأصيرَ مجردَ سطرٍ تائهٍ في العدم
سأبقى واقفاً،
حتى لو تشقّقت روحُ العزيمةِ في داخلي
وحتى لو صار صمتُكِ مطرقةً تهوي على صبري
أنا القويُّ الذي يرتجفُ خفاءً
لكنّهُ يرفضُ السقوط..
لأني لو سقطتُ الآن
فلن يجدَ القمرُ من يواسيهِ حين يشرعُ في البكاء..


