"على حافة الفناء... أسير"
أسيرُ في أرضٍ تخشاها الظلال، وتأنفها أقدام الجبناء. أرضٌ لا تعرف الرحمة، لا يطأها إلا من صاغته الحياة في رحم الظلمة، من علّمته أن الخوف من مخلوقٍ نفَسَهُ من الله، مذلّة لا تليق بالأحرار
وُلدتُ من رحم القسوة، لا من رَحِم الأمان، نشأتُ بين الأشواك، فكنتُ كلما انغرزت في جلدي، اشتد عودي. صقلني الألم، وربّتني الوحدة، حتى صرتُ كالسيف لا يعرف الانكسار
أسير وحدي، لا يرافقني سوى ظلي،
وإذ بسهمٍ يخترق كفي، يزرع فيها وجعه،
لكنني لم أنحنِ، لم أتوقف،
فالتوقف يعني أن تُزهق أرواح من اتّكلوا على مضيي،
وأنا لا أترك خلفي أحدًا يموت ما دام فيّ رمق
تابعت المسير، وعيناي تمشطان الأرض،
حتى أبصرت رجلاً طريح الأرض،
أنفاسه الأخيرة تتشبث بالهواء وكأن الحياة ترفض مفارقته،
سترته بالكاد تستر جسده،
فخلعت سترتي الواقيةَ، لا تردد، لا تفكير،
غطّيته بها، ورفعت جسده المنهك على كتفي،
كأنني أحمل قلب أمة لا تحتمل فقدان ابنٍ آخر
سرتُ به نحو النجاة، لا ألتفت لجراحي،
ثم عدتُ، أجمع شتاتهم، واحدًا تلو الآخر،
حتى غشى الليل وجهي، وتسلل الإعياء إلى عظامي،
لكنني لم أتوقف،
فوقوفي يعني فناء أحدهم،
والموت لا يستحقهم ما دمت أنا حيًّا
نزفت جراحًا، وارتسمت كدماتي كأنها وسام،
لكنني لم أكن أبحث عن راحة،
رحلتي لم تكن سوى لحظة نجاةٍ لأرواحٍ انتزعتها من قبضة الهلاك

