حين يصمت الوجود: تأمل في العدم
يخاف الإنسان من العدم، لأنه لا يعرف كيف يتعامل مع فكرة لا تحتويه
كل ما نُدركه في حياتنا مشروط بوجود نقيضٍ له؛ الضوء لا يُفهم إلا بالظلام، والفرح لا يُقاس إلا بالحزن، والحياة لا تُدرك إلا بالموت
لكن العدم لا نقيض له، ولذلك يعجز العقل عن احتوائه.
إنه الصمت الذي لا يسمع نفسه، والفراغ الذي لا يملك شكلًا ليُرى، ولا حدودًا ليُلمس
نظن أننا نُهرب منه بالضجيج، بالعمل، بالعلاقات، بالكلمات الكثيرة التي نغطي بها خواءنا الداخلي، لكننا في الحقيقة لا نفعل سوى إعادة رسمه بطريقة أخرى، نُحيله إلى حياةٍ مكتظةٍ بالخوف، ونسميها “وجودًا”
العدم لا يهددنا، بل يُعرّينا؛ يزيل عنّا كل تعريف، كل دورٍ، كل اسمٍ، حتى لا يبقى سوى جوهرنا عاريًا كما خُلق، ذلك الجزء الذي لا يُقال ولا يُكتب
ربما العدم ليس نهاية، بل عودة
عودةٌ إلى ما قبل البداية، إلى النقطة التي لم تُرسم بعد، إلى الصمت الأول حين كان الكون فكرةً تنتظر أن تُقال.
نحن نُقاوم العدم لأننا نحتاج الوهم لنشعر أننا موجودون، لكن في لحظةٍ ما، حين يسقط كل شيءٍ من حولنا الأسماء، الذكريات، المعتقدات — ندرك أن العدم ليس عدوّنا، بل أصلنا الأول
في النهاية، كل ما نسميه “وجودًا” هو مجرّد ومضةٍ قصيرة في ليلٍ أبدي
نحاول أن نترك أثرًا في الرمل، ونحن نعلم أن الموج سيأتي
نكتب، نحب، نحلم، نؤمن — لا لنهرب من العدم، بل لنُزيّنه قليلاً قبل أن نعود إليه


ابداع ✨