الشر لا يُولد... بل يُصنع
هل يُمكن أن يتحوّل الإنسان ذو القلب الرؤوف، والروح الطاهرة، إلى كائنٍ خالٍ من المشاعر، قاتلٍ لا يعرف للرحمة طريقًا، يجوب الأرجاء ناشرًا الموت بلا وازعٍ أو شفقة؟
هل يُمكن أن يتبدّل القلب الأبيض النقي إلى قلبٍ أسود كالفحم، قاسٍ كالحجر لا يلين؟
لطالما راودتني تلك الأسئلة، ولطالما لم أجد لها سوى إجابةٍ واحدة...
نعم، قد يتحوّل القلب الأبيض إلى قلبٍ مظلمٍ شديد السواد، ليس بطبيعته، بل بفعل البشر. فالقلب كالحصى، إن ضُرب مرارًا بالقسوة والخيانة والحقد، صار صخرًا، ثم جبلاً لا تهزه الرياح، لا حياة فيه ولا دفء، كجيفةٍ ميتةٍ نُزعت منها الروح.
قد يتحول النور إلى ظلامٍ دامس بسبب خيانتهم، وقسوتهم، وكذبهم المتقن. البشر وحدهم من يقتلون فينا النقاء، ثم يتعجّبون من برودنا وجمودنا.
لكن... هل يُمكن أن يتحول إنسانٌ عاديّ، ذو رحمةٍ وعطف، إلى قاتلٍ متجردٍ من المشاعر، لا يرحم أحدًا؟
نعم، حين يستيقظ داخله كيانٌ غامض يُدعى الانتقام، يسيطر عليه كما لو كان لعنةً لا فكاك منها. كيانٌ لا يعرف سوى خيارين: إما أن تقتله، أو يقتلك، أو تُطيعه بصمتٍ قائلاً: "حسنًا، سأفعل."
حينها يتحول المرء إلى صخرةٍ لا تنكسر، وبحرٍ بلا قوارب، وسماءٍ بلا مطر، وأرضٍ قاحلةٍ لا تنبت إلا بذور الانتقام. بذورٌ لا تموت، لا تهدأ، لا تعرف الشبع، حتى تُروى بدم الخيانة التي أنبتتها.
لا تمطر السماء، ولا ترسو القوارب، ولا تزهر الأرض، إلا حين يتحقق الانتقام، ذاك الانتقام الذي يجعل الجنة جحيمًا، والحياة نارًا لا تنطفئ.
فالشر لا يُولد... بل يُصنع


خيانة أو ظلم أو إهانة هو سبب قساوة القلب