حين أُصافح البرد وتُدفئني النار
يأتي الشتاء محمّلًا بصقيعه، كأنه يختبر صبر الأشياء وقدرتها على الاحتمال، الهواء حادٌّ كالسؤال، والسماء منخفضة كأنها تقترب من البيوت لتسمع أنفاسها، في الشوارع، تمشي الخطوات على مهل، يلتف الناس بمعاطفهم كما لو أنهم يحمون أسرارهم من البرد، وتتشابه الوجوه تحت القبعات والأوشحة، لكن لكل روح حكاية مختلفة مع هذا الفصل
أما أنا، فلي مع الشتاء طقس لا يشبه أحدًا، دومًا، حين ينتصف الليل ويهدأ كل شيء، أخرج لأصافح البرد وجهًا لوجه، لا أهرب منه، بل أتركه يلامس وجهي ويوقظني، أحتسي كوب قهوة ساخنة، يتصاعد بخارها كحلمٍ صغير في العتمة، وأستلقي على الثلج متأملًا السماء، هناك، حيث الصمت عميق والنجوم أقرب، أشعر أن الكون يتسع لي وحدي، وأن البرد ليس قسوة، بل صفاءٌ يجرّد اللحظة من ضجيجها
وفي الداخل، حين أعود، تشتعل نيران المدفأة. صوتها الخافت يشبه همسًا قديمًا، وضوؤها البرتقالي يرسم ظلالًا دافئة على الجدران، يصبح الوقت أكثر رفقًا، وتغدو اللحظة نفسها غاية كأن النار لا تدفئ الجسد فقط، بل تُعيد ترتيب الروح، وتجمع ما بعثره الصقيع في الخارج
الشتاء لا يطلب منا سوى أن نقترب : من البرد دون خوف، ومن الدفء دون استعجال، ومن ذواتنا بصدق، أن نفهم أن الصقيع ليس نقيض النار، بل معناها الخفي، وأن الدفء الحقيقي لا يُقاس بدرجة الحرارة، بل بقدرتنا على أن نشعر بالحياة كاملة حتى ونحن مستلقون على الثلج




