ثمانيَ ساعاتٍ بين الحياةِ والموت..
تُهنا في أرضٍ لا أنسَ فيها ولا جنّ؛ ترجلنا من السيارة باحثين عن نجاةٍ، أو عمّا يُسمّى نجاة، أنظرُ في كلّ الجهات، فلا أرى إلا الثلوجَ تغطّي المكان، والعينُ تضعفُ تارةً، كأنّ البياضَ أوهمها بالموتِ قبل الفرارِ منه..
ترجّل صديقي من السيارة، وقال لي:
أالموتُ حتمُنا اليوم؟
أجبتهُ، ونظرتي ثابتةٌ نحوه:
لا… لن يحالفكَ الموتُ اليوم ما دمتُ معك
رأيتُ في ملامحهِ سكينةً تولد، فقال:
أنا أثقُ بك دومًا…
حينها أدركتُ أنّي سأُجابهُ الموتَ حتمًا، ولن أدعه ينالُه ما دام قد وضع ثقته فيّ..
أمضينا ساعاتٍ نسيرُ على الأقدام، نبحثُ عن نجاة، لكنّي لم أرَ لها أثرًا؛ كأنّ الأرضَ ابتلعتِ البشرَ والأماكن، سقط صديقي متكئًا على جذعِ شجرة، وقد خارت قواه، ولم يعد يقوى على الصمود، جلستُ على ركبتيّ أحاولُ أن أبعث فيه ما يُعينه على الوصول، لكن… فقد وعيه..
وقبل أن يغيب، تمتم بكلماتٍ متقطّعة:
أنا… أثق… بك… اذهب وأجلب المساعدة… وعد لي…
قلتُ له، بصوتٍ يهابُ خسارته:
متى رأيتني أتركُ رجلًا معي للفناء؟
لم يكن لديّ خيارٌ آخر، حملتُه على ظهري، وبدأتُ المسير، رغم أنّ قدمي كانت تنزفُ جراحًا، لكن لم يكن في صدري موضعٌ لفكرة تركه، إن كان الموتُ مصيرًا، فليكن معًا، لا أن أتركه وحده..
سرتُ به ساعاتٍ، وهو على كاهلي، والدماءُ ترسمُ خلفي طريقًا من الألم، كانت قدماي تنزفان، والبردُ ينهشني، لكن لا خيار إلا أن أبلغ به النجاة، ثماني ساعاتٍ من المسير المتواصل، حتى بلغتُ أخيرًا برّ النجاة..
دخلتُ به إلى المستشفى، ثم انتظرتُ خبر الطبيب، بعد ساعتين، خرج لي وقال إن حالته جيدة، ثم نظر إلى يديّ وقدميّ، والدماءُ تملؤهما، وقال:
لديك جراحٌ كثيرة، تعال لنُداويها..
ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، وقلت:
لا، لا داعي… مجردُ خدشٍ، اهتمّ بصديقي الذي بالداخل، أمّا أنا فبخير
أومأ الطبيب، ثم قال:
صديقك يودّ رؤيتك
دخلتُ عليه، وهو مستلقٍ على السرير، فقال لي:
كيف حملتني كل هذه المسافة؟ ولماذا لم تتركني؟
أجبتهُ:
لم أَدَع من يسيرُ معي يلقى حتفه وهو معي… لأدعك أنت..
ابتسم، وشكرني…
وهكذا انتهت قصةٌ كُتبت لا بالحبر، بل بدماءِ الاستمرار..


