" أنا السَرمَدي "
أَنــا السَّــرْمَديُّ، إذا العُصوفُ تَهَدَّمَتْ
صَفَحـاتُها، فـأنا العَـبُـوسُ المُـظْلِمُ
وأنا الجَبَلُ الرَّاسِي، إذا الحَدِيدُ تَفَتَّتَ
قُـدّامَ نَصْلي، ما انْـثَنَيتُ وأُهْزَمُ
وأنا المُحاربُ لا أُلـينُ لسـيفِ عَـادٍ
صَبْرِي حِصَـانٌ، والعُروقُ مَواسِمُ
لم أركَعِ الدَّهرَ المُمِدَّ، ولا بَنَانِي
عَرَفَتْ مَذَلَّةَ راكِعٍ أو مَحْـزَمُ
خَلَعْتُ قَلْبِي حينَ طَغْـيانُ الهَوى
كادَ الفُؤادُ بهِ يَطيرُ ويُـهْـزَمُ
أسيرُ حافيَ، والنِّصالُ بِلَحْمِـنَا
والـجَمْرُ تحتَ خُطايَ يَخْـمَدُ يَسْجُمُ
أَخْلَعُ السِّهامَ منِ الجُسومِ ولا أنـيـ
نُ، ولا دَمْعي على الخَدِّ يُعْـلَمُ
لَوْ شئتُ أَطْـوِي في يدي جَبَلاً دُكِـيَ
أو أَحْبِسَ الغَيْمَ الرَّحِيبَ وأُحْكِـمُ
أو أَغْـمِسَ الأرواحَ في قَعْرِ البِحـارِ
فَتُـطْـبِقُ الأَفْـوَاهُ صَمْـتاً وتَلْـجَمُ
أنا المِياهُ، إذا أرَدتُ غَرِيقَهَا
أغرَقتُ مَنْ عَزَّ النجاةُ وأُسْلِمُ
وأنا الجَبَلُ الشَّـاهِقُ المِـرْقَى العَصِـيُّ
لا البَأسُ يَرقَانِي، ولا الموتُ يُحْكِمُ
وأنا النِّسْرُ في العلياءِ، أُحلِّقُ شامِخاً
مَنْ رامَ أَسْري، عادَ والـطَّيْرُ تُحْلِمُ
أنا الفَريسةُ إن أرادَتْ نَفْسُها
صارتْ لِـمَن يَسْعَى شِرَاكاً يُحَطَّمُ
قد أبدو شيطاناً يُـرَوِّعُ كُلَّ حَـيٍّ
أو مَلَكاً في ثوبِ إنسانٍ مُـكَرَّمُ
لا يَهْزُني غَدْرُ الخَؤونِ ولا أُبـالِي
فـالخَـطْبُ علَّمَنِي الصُّمُودَ وأَعْظَمُ
سَمِعْتُ ملوكَ الجانِّ سَبْعاً في أُذُنْي
فَأصْبَحْتُ نِصفاً إنسِيّاً وأَعْلَمُ
أنا زَمنُ الزَّمَانِ، إذا الزَّمانُ تَفَـرَّقَتْ
أَيَّامُهُ، بقيتُ والدهرُ يُحْـرَمُ

