خرج من المنزل مسرعًا، لا لأنّه أراد الهرب، بل لأنّه خشي أن يقول في لحظة غضبٍ كلمةً تجرح كبرياء أحدٍ من عائلته، ثم يبقى هو أسيرها بقية عمره. مضى حتى بلغ مقعدًا خشبيًا في زاويةٍ هادئة، فجلس عليه وأخذ يحاول أن يهدّئ اضطراب صدره، كأنّه يحاول أن يُقنع قلبه بأنّ ما حدث لم يكن يستحق كل هذا الألم..
كان الجميع يراه ناجحًا إلا عائلته وهذه، في الحقيقة، كانت المعضلة التي لم يجد لها تفسيرًا. كيف يمكن للمرء أن يخرج إلى العالم فيراه الناس قادرًا، مجتهدًا، ناجحًا، ثم يعود إلى البيت فيتحوّل، في أعين أقرب الناس إليه، إلى ذلك الفاشل الذي لا تُرى منه إلا عثراته؟
أسند ظهره إلى المقعد، ومدّ ذراعيه إلى جانبيه، وبقي طويلًا ينظر إلى الفراغ. ثم أخذ يسأل نفسه، لا الآخرين:
كيف استطاعوا أن يحفظوا أخطائي الصغيرة التي مضت عليها أعوام، وأن ينسوا كل ما فعلته كي أصل إلى هنا؟ لماذا يرون السقوط الذي حدث بالأمس، ولا يرون الطريق الطويل الذي قطعته واقفًا؟
كان السؤال أثقل من أن يُجاب عنه..
وفجأةً، خانته عيناه..تجمّعت الدموع فيهما، وسقطت إحداها على خده، لكنه..ما إن شعر بها، حتى مسحها سريعًا، كأنّه ارتكب خطأً يجب إخفاؤه، لم يكن معتادًا على البكاء؛ لا أمام الناس، ولا أمام عائلته، بل حتى أمام نفسه..
وهكذا بقي جالسًا وحده، في تلك الساعة، يضمُّ صمته إلى صدره؛ رجلٌ يراه العالم ناجحًا، وتراه عائلته فاشلًا، بينما لم يكن هو يعرف أيّ الصورتين أقرب إلى الحقيقة… وربما كانت مأساته أنّه قضى عمره كله يحاول أن يُثبت للعالم أنّه بخير، حتى نسي أن يسأل نفسه إن كان بخير فعلًا..


