«استيقظتُ… ولم أعد في عالمي»
الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل
أكتب… وأكتب، حتى تتعب يدي وتثقل جفوني، فأغفو غفوة تشبه الموت المؤقت.
لا أدري كيف تسعفني يدي بكل هذا السيل من الكلمات، وكأنها تنقل عن روحي دون إذنٍ أو تردد.
القمر كان مكتملاً، يسكب نوره على الأرض كحكاية قديمة، والسماء صافية كقلب عاشقٍ لأول مرة، وصوت البومة يشق السكون، يرسم للمكان هالةً من الغموض.
أنظر بين الحين والآخر للقمر، ذاك الرفيق الذي يملأ روحي بضوءٍ غامض، يتسلل إليها في كل ليلة تمضي، كأنما يهمس لي بما لا يُقال.
أغمضتُ عينيّ للحظات، وشعرتُ بغرابة المشهد المعتاد، كأن الزمن توقّف فجأة، وكأن السماء بدأت تخفت، والقمر يتلاشى ببطءٍ لا يُطاق.
غلبني النعاس، وسقط جسدي على الأرض، مستسلماً، تاركًا القلم والأوراق على طاولةٍ عادلة، لا تعرف الكذب.
استيقظت بشعورٍ ثقيل، كأن الجبال استقرت على صدري.
حاولت فتح عينيّ، تارةً بعزمٍ وتارةً بضعف، حتى تمكّنت، وإذا بي في أرضٍ غير الأرض، ومكانٍ غير المكان، وزمانٍ لا يشبه الزمان.
كنتُ ممددًا إلى جانب نهرٍ رقراق، تتراقص عليه أشعة نور تخرج من وادٍ عجيب. نورٌ يخطف البصر، لا يجرؤ أحد على التحديق فيه، خشية أن يفقد بصره إلى الأبد.
نهضت، مثقلًا، عطشًا، فشربت من النهر دون تردد، دون أن أسأل عن نقائه، فإذا بالماء يرد لي روحي، وإذا به أصفى من النقاء، وأعذب من كل ماء.
أشجار الرمان والسدر تحفُّ المكان، والقمر أنور، والنجوم أوضح، والسماء أصفى، والأرض… أجمل.
لكن لا أحد فيها، سوى دَعجَاء، تلك التي زارتني على ضفاف النهر، وأنا أبحث في المكان والزمان.
اقتربت مني، وضعت يدها على كتفي وهمست:
– أعجبك المكان، أم الزمان؟ أم كلاهما؟
اتسعت عيناي دهشةً وقلت:
– كنت أعلم أنك وراء هذا يا دَعجَاء..
ضحكت، وقالت بهدوء:
– تتبعني
سرت خلفها، وكأن قدميّ تطوفان في الهواء لا على الأرض، خفّت خطواتي وتسارعت، حتى صعدنا جبلًا مُهيباً ينام بين السحاب ويشرب من القمر.
جلست أتأمل السماء، ودَعجَاءَ بجانبي، لم تنطق بحرف، فقط ابتسمت، وفي يدها قلادتي.
نظرتُ إليها بحماس:
– لا زلتِ تحتفظين بها؟
أجابت بابتسامةٍ هادئة:
– كما أحتفظ بروحكَ الجميلة…
حين ضاعت.
نظرتُ إلى السماء،
وكانت أبعد من البصر،
وأقرب من الهمس.
وأدركتُ
أنني بزمناً أخر ..
اكتفيت بالنظر… لها، وللقمر، وللسماء التي لم أرَ مثلها من قبل.


أقشعر جلدي وأنا أقرأ، وكأني كنت هنا من قبل أو ربما لم أغادر بعد.
وصفك للشعور كأني قد عشته