"المثعنجِرُ الأخير"
في عَتمةٍ ليست ككلّ عتمة، وفي ظِلِّ أراضٍ لا تسلكها أقدامُ البشر، وُلدت غيداء. لم تكن إنسيّة، ولم تكن من نسل الجان. كانت بينَ بين، شُعلة من وهج الجِنان، يقال إن شمس القواميد قد نَفخت فيها روحًا من نورٍ وشرر
سَبتَ السُباتَ الكونُ حين وصبتْ غيداء على الأرض، فارتجّت ممالكُ الجان، وارتبكَ صَمتُ الظِلال. في خُطاها الأولى على ترابٍ ناعم كخصلاتها، أنبتت الأرضُ مرجانًا، واشتعلت شُعلةٌ في أعماق "وادي الموقيدان"، حيث يُقال إن أول فتيلٍ أُشعل من نَفَسِ شيطان
ظهرت هيفاء، حارسةُ العَتبات، ذات العينين المُظللتين كالغسق، وسارت بجانب غيداء تُجَللها بهالةٍ من هيبةٍ وعطرٍ من سِرّ الجان. لم تكن مَلكة، بل شيئًا أقدم. كانت تمشي في جَلجَال الدان، حيث لا صوتَ يعلو سوى همس الجِنِّ حين يُقسمونَ الولاء
وفي حضرة "شعائر الجان"، انقسمت السُحبُ السَوداء، وظهرت التيجانُ السبع، يَحملها ديجور، مَلكُ ملوك الجان، ذو الصولجانِ المنقوشِ من عَظمِ أول جانٍ عَصا. وقف بين :الجمع وقال
ها هو النصفانِ قد التقيا
نُورُ الجِنانِ وظِلُّ الجانْ
ليس إنسًا، ولا شيطانْ
بل خَلقٌ أوجدهُ الحِرانْ
اقتربت غيداء من العرش، والفتيل الذي أُشعل قبل قرون كان لا يزال يشتعل في راحتيها. أضاءت النيرانُ وجوهَ الملوك، وتكأكأ الجَمعُ في "الدَانْ"، لا يدرون: هل هُم شهودُ ولادةٍ أم بَعثٍ أم قيامة؟
هكذا بدأت مملكة القَواميد، بينَ تيجانٍ ونار، بين مرجانٍ وأسرار، في زَمنٍ لا يُقاسُ بالساعة، بل بخفقةٍ من قلبِ الجان


