من أنا؟
سؤالٌ عَصَفَ بي آلاف المرات، طرحتُه في سكون المحاريب، وفي زئير العواصف، وظلَّ الجوابُ عصيَّاً.. كأنه سرٌّ مدفونٌ في رَحِمِ الغيب..
من أكون؟ ومن أيِّ عصرٍ سُحبتُ غصباً لأُلقى في هذا الزمن؟
تائهٌ أنا في متاهةِ الوجود، لكنني لستُ ضائعاً؛ فالمتاهةُ ميداني، والقسوةُ خبزي اليومي
أعلمُ يقيناً أنني جبلٌ من صخر، وبحرٌ من صَبْر، لكن خلف هذا النصلِ إنساناً يرفضُ الانكسار، إنسانٌ يعجنُ تعثّراتِ الحياةِ ليصنعَ منها دروعاً، ويحولُ الجراحَ إلى ندوبٍ هي أوسمةُ شرفٍ لا تُمحى
هل قُدّر لي أن أظلَّ حبيسَ درعي؟
هل أنا ذلك المحاربُ الذي حُرم عليه نزعُ رداءِ الحرب، حتى صارَ الحديدُ جلداً ثانياً له؟ من أنا لأحملَ هذا السيفَ الثقيل؟ ومن أين استمديتُ هذا المزيجَ العجيبَ من عتمةِ اليأسِ ونورِ اليقين؟
أهزمُ الجميعَ في ميادينِ النزال، لكني أقفُ عاجزاً أمام “معطف الحروب” الذي التصق بروحي، لا أعرفُ للضعفِ طعماً، ولا للاستسلامِ مآباً، لكنَّ الصمودَ استنزفَ مني ما لا تراهُ العيون
أقفُ اليوم، سيفي بيدي، وجسدي خريطةٌ من الندوب، وآثارُ الدماءِ تحكي قصصَ معاركَ خضتُها وحيداً، أقفُ صامداً كطودٍ أزليّ، ورغم النزفِ الذي يلون دربي، ما زلتُ أؤمنُ أنَّ في أعماقي فجراً مكبلاً ينتظرُ لحظةَ الانعتاق
من أنا؟
لا جوابَ نهائي، سوى أنني عابرٌ ضلَّ زمنَهُ، لكنه لم يضلَّ كبرياءه، أنا الذي يكتبُ بجراحهِ فصولاً من الصمود، أنا المقاومُ الذي لا ينطفئ، أنا المحاربُ الذي وجدَ في الألمِ وطناً، وفي الصمتِ سلاحاً..


