"الرجل الغُراب"
في ليالي الشتاء الباردة، تحت سماءٍ هادئة تخيّم على روحي، ابتعدت عن ضوضاء العالم إلى مكانٍ معزول، لا يسمع فيه سوى همس الطبيعة. جمعت بعض الأخشاب، وأشعلت نارًا راحت تتراقص ألسنتها بشكل غريب، كأنها تهمس بأسرارٍ لا تُفهم
جلست بجانبها أتأمل السماء والأرض، وأترك لجمالهما أن يطفو على روحي. وفجأة، اخترق سكون المكان صوتٌ بين الأشجار، لأرى غرابًا أسودَ قاتمًا، حتى كدت أعجز عن تمييزه من شدة سواده. اقترب بهدوء، ووقف إلى جوار النار، كأنه جاء يبحث عن الدفء
تأملته، وشعرت بذلك الإحساس الغامض الذي يلازمني كلما رأيت الغربان. صوته الذي يراه الناس مزعجًا كان صامتًا هذه المرة، كأنه اختار أن يكون ساكنًا، يراقبني كما أراقبه. في تلك اللحظة شعرت أن روحي تنفصل عن جسدي، لتتجسد غرابًا أمامي
كنت أنا الناظر، وهو المرآة. غبت في عينيه، حتى خُيّل إلي أنني سافرت إلى عالم الغربان… عالم غريب، منعزل، ماكر، ذكي، لكنه أيضًا حافل بأسرارٍ لا تُرى
ومع كل ما قيل عن الغربان من مكر وخبث، إلا أنني، وأنا أقرأ في روحه، وجدتُ شيئًا مختلفًا… غربته تشبه غربتي، ووحدته انعكاسٌ لوحدتي
غرابٌ غريب، كغرابة غربتي بين غرباء غربتي


وصفكِ جميل كذالك حقاً