"الفراغ الاستراتيجي: حين يصبح الصمت قراراً سياسياً"
في مقالة نشرتها قبل أسابيع، كتبتُ — بحذر شديد — أن رجلاً سياسياً بارزاً سيغادر المشهد بطريقة لا تشبه الاستقالة ولا الخسارة الانتخابية. كثيرون سخروا حينها، وقالوا إن السياسة لا تُقرأ بالتكهّنات. لكن حين تحوّل الخبر إلى حقيقة، وحين خلت الكاميرات من صورته، وعمت الفوضى التي حذّرت منها الشوارع والساحات، فهم البعض أن ما كُتب لم يكن خيالاً، بل قراءة لما لم يكن يُقال علناً
اليوم، لا أتحدث عن أشخاص ولا أحداث محددة، بل عن "الفراغ الاستراتيجي" الذي يخلّفه غياب القرار. هناك ملفات لم تُفتح بعد، اجتماعات أُجّلت إلى أجل غير مسمّى، وقرارات تُركت عالقة في الهواء. أخطر ما في السياسة ليس الصراع العلني، بل الصمت الذي يتسلّل بين الجمل الرسمية.
تأملوا جيداً: اليد التي لم تُصافَح كانت أهم من كل الأيادي التي ظهرت على الشاشات. الباب الذي بقي موارباً كان أخطر من كل الأبواب التي أُغلقت أمام الكاميرات. أحياناً تكون الحقيقة في المقعد الفارغ لا في الخطاب الذي يُلقى، وفي الورقة البيضاء لا في البيان المنشور.
هذا الفراغ ليس حيادياً. إنه فراغ مشحون، يغيّر موازين القوى دون أن يلاحظ معظم الناس. انظروا إلى الخريطة، ليس حيث اشتعلت الأضواء، بل حيث خفتت فجأة. اسألوا أنفسكم: لماذا تمّ تجاهل بعض الملفات رغم أنها كانت على وشك الحسم؟ ولماذا التزمت القوى المؤثرة صمتاً متواطئاً؟
الفوضى التي شهدناها مؤخراً لم تكن سوى بروفة صغيرة. كان اختباراً للنظام وللناس معاً: إلى أي مدى يمكن ترك الساحة فارغة قبل أن يتحرّك الشارع من تلقاء نفسه؟ لقد رأينا الإجابة. رأينا كيف يملأ الغياب فراغه بالاحتجاج، وكيف يخلق التأجيل تيارات جديدة لم تكن في الحسبان.
إن ما جرى ليس سوى بداية فصل جديد، حيث يتحوّل الامتناع عن القرار إلى سياسة بحدّ ذاتها. السؤال الذي لا يزال بلا إجابة هو: إلى متى يمكن أن يبقى هذا الباب موارباً قبل أن يُفتح على مصراعيه؟ ومن يجرؤ على أن يكون أوّل من يكسر دائرة الصمت؟
السياسة في جوهرها ليست فقط ما يُعلن، بل أيضاً ما يُخفى عمداً. ونحن الآن نعيش لحظة تُكتب بين السطور، لحظة يهمس فيها التاريخ قبل أن يتكلم بصوت عالٍ. وربما عندما يُتخذ القرار أخيراً — إن تم اتخاذه — لن يكون كما يتوقعه أحد.

