رحّال البرَاري - نصاً من دَعجَاءَ
أقبلَ هذا الرحّال،لا كمن عبَر دروب الرمَل و عراء الفيافي،بل كمن شقَّ المدى بحراً و من زُرقة الموج انبثق،لا يُشبه بنَّ البراري ولا تعلوه سحنة الصحراء ، بل فيهِ من عمقِ البحر و من مدَّه و جزره
قليلُ الكلام،جاء و معهُ صمته،ينظر بعين ِ قارئٍ تشرّب الحروف حتى صارت ملامحهُ مداداً من فكر.. لا يبوح لا يُخبر عن رحلاته و لا عن اسرارِه،كأنه يرى في الإفصاح نقصاناً
بدا لي أنّه قارئٌ صامِت و إذا نبَس كان لكلامِه وقعُ الريح على الأشرعة،يدفعُ الفكر الى البعيد دون أن تدري إلى أين يأخُذك،كلماتُه وحيَ التجرُبة،كل جُملة ينطقها كأنما خرجت من جوف الزمن،فلا تحتاج إلى تكرار و لا تقبل التبديل
سألتُه "كيف يحتملُ البحر أن يبتلِع أسرار السائِرين عليه؟" أجابَني دونَ النظر إليَّ "لأنّه وحدهُ يعرِفُ أن السِّر الذي يُقال لم يعُد سراً!"
سألتُه عن الرحلة فأجابني : "هي أن تعرِف كيف تُغادر لا كيفَ تصل!" قولاً بسيطاً و لكنّهُ يفتح باباً
لا يُغلق، بهِ شيءٌ من الغُموض،لا يُفصح و لا يَروي
و كأن حكاياهُ لا تُقال،تُفهمُ بالنَّظر أو تُقرأ بينَ السطور التي كتبها
يكتُب،و في كلِّ مرةٍ أقرأ مكتوباً لهُ،خُيّل إليّ أن
الخيال صار واقعاً و أنّ الحُلم ليسَ بعيداً ،فسألتُه
"هل للخيال نصيب في الواقع؟" فاكتفى بأن رمقني
بنظرة فارِغة،تركت لي التساؤلات..
أهو رحّالٌ حقاً،أم مُجرَّد ظلٍّ يمُر عبر الدروب ليترُك فيها أثراً لا يُمحى؟ لا أدري لا زالَ غريباً عنّي،رحّال غريب زارني منذُ بضعة أيّام…

