"سقوطٌ في نهرِ الحقيقة"
أَأَقُولُ أُحِبُّكِ يا قَمري، أم أَخشى أنْ أَخونَ القَول؟
هَهُوَ الهمُّ يَهُبُّ مِنْ عِناقِ غَيْمِكِ، فَيَهطلُ رَجًى لا يُروى.
أَأَقُولُ أُحِبُّكِ يا زَهْرَتي،
أم أَخشى مِنْ رَطَبِ النَّدَى أن يُفضحَ سِرّي؟
هَهْنا الْحُبُّ يُنْحِني، كَأَنَّما عُرِفَ مِنْ قِبَلِ النُّجومِ فَانكَشَفَ
مَنْ أَنَا لأَقُولَ ما لا أَقولُ لِغَيرِكِ؟
أنا الَّذي سَقَطَ سَهْواً فِي نَهْرِ الحَقِيقَةِ،
أنا الَّذي كُنْتُ صَخْرَةً، فَانطَوَى عَلَيَّ لَيْنُ الرُّوحِ فَتَذَابَتْ حَوافِي
مَنْ أَنَا؟
أنا الحقيقةُ الَّتي تَمايَلَتْ فِي جَرَاةِ التيّارِ، تَتَلَذَّذُ بِالانْخِفَاضِ،
أَأَقُولُ أُحِبُّكِ يا رَبِيعَ قَلبي؟ أَهْ مِنْ يَنَابِيعِ روحِكِ أَرتَوِي؟
يا زَنوبيا، يا نَبْضَ التُّرَاثِ، يا نِسْبَةَ النُّهْضَةِ،
أَقالَتِ الأيّامُ عنكِ قَصائدَ؟
سَقَطْتُ بَيْنَ أَنْهارٍ جَليدِيَّةٍ وَأَنْهارٍ رَبيعيَّةٍ،
بَيْنَ شِتَاءِ الحَرْبِ وَرَبِيعِ السَّلامِ
كَيْفَ أُنَاجِيكِ وَأَنَا تَائِهٌ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ،
أَسْمَاؤِي مَكْتُوبَةٌ وَأَنَا الْمَكْتُوبُ أَيْضاً؟
كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَيْكَ دَلْنِي،
وَكَيْفَ الْبَقَاءُ فِي مَتَاهَاتِ الحَرْبِ؟ أَنْجِدْنِي مِنْ لَذَّةِ الضَّجَرِ
كَيْفَ أَحْلِقُ فِي سَمَاءِ هِيمَاءٍ،
فَوْقَ وُدْيَانٍ وَأَشْجَارٍ مُثْمِرَةٍ، وَقَلْبِي أُحَايِلُ؟
لا سَبِيلَ لِلرُّجُوعِ عَمَّا أَقْدَمْتُ،
وَلَا أَدْرِي كَيْفَ سَقَطْتُ سَهْواً بِلَا وُعْيٍ
أَأَقُولُ أَنَا الْقَوِيُّ الْجَسُورُ؟
أَمْ أَنَا فَارِسُ الحَرْبِ ذُو المِراسِ؟
الصَّخْبُ يَجْهُرُ بِقَسْوَتِي،
أَقْسَى عَلَى نَفْسِي كَما تَقْسُو الرِّيَاحُ عَلَى الجِبَالِ،
وَهَيَامِي سَقَطَ كَقَلَمٍ إنْزَلَقَ مِنْ طَاوِلَةِ السُّهْرِ
سَأمْتَطِي حِصانِي المُزَيَّنَ بِقَلائِدِ الحَرْبِ،
أَهْدِمُ طُرُقَ الدَّهْرِ؛ إِمّا النَّصْرُ أَوِ الفَنَاءُ،
أَنَا الَّذي يَكُونُ أَوْ لا يَكُونُ،
وَقَدْ جَعَلَتْنِي مَسْأَلةَ الأَيَّامِ: هَلْ أَخْتَارُ السَّيْفَ أمِ المِقْدَارَ؟
لَكِنَّ فِي خَفَاءِ الفَؤَادِ نَبِضًا لَكَ يَخْفُو وَيَبْلُغُ،
لا يَسْمَعُهُ سِوَى رِيحِ نَفْسِي،
فَإِنِ اسْمَعْتِ نَفَسِي، فَاِعْلَمِي أَنَّنِي سَقَطْتُ فِي نَهْرِ الحَقِيقَةِ:
حَقِيقَةٌ تَهْدِمُني فَتَبْنِي
هَذَا قَوْلِي لا قِيلَةً،
هَذَا خُطِّي لا تَسَلِّيَةً،
أَنَا الَّذي قَلَمُهُ يَجْرِي وَنَفْسُهُ تُكْتَبُ،
فَاقْبَلِي هَذِهِ الحَقيقةَ إنْ أَرَدْتِ،
وَلا تَجعَلِي مِنْ سُقُوطِي سِوَى أُنْشُودَةٍ تَتَرَدَّدُ فِي الوُجُوهِ

